كل شيء عن التخصصات الطبية

في ثنايا الطب النفسي

83
83

الاختبار الأصعب

صباح الأحد، قسم الطب النفسي
اليوم الأصعب منذ دخولي هذا القسم..
قبل عطلة نهاية الأسبوع كانت الأوضاع مستتبةً نسبيًا
الحالات مستقرة وفي تحسّن ملحوظ ، الحمدلله لا حالات أو مرضى جدد أو كما يقال “new admissions ”
يتبع

، يوم جديد بداية جديدة دخلت كعادتي متفائلة بتحسن المرضى وخروج بعضهم لزيارة قصيرة كمكافئة لتحسنهم واستجابتهم للعلاج،
استقبلتني “ندى” – أُم في الخمسين من العمر – وهي صديقة قديمة للقسم كانت قد انضمنت بالأمس نتيجة لتدهور حالتها بعد فترة من ترك العلاج. تعاني ندى من اضطراب” ثنائي القطب ” Bipolar disordere ” وهو اضطراب يعاني منه الشخص بتقلبات مزاجية بصورة غير طبيعية

فتارةً ما يكون عالي المزاج فيدخل في نوبة من الإبتهاج والسعادة المفرطة التي قد تكون أحيانًا في صورة عصبية واهتياج شديدين ” manic episode” – وهو ماكانت تعاني منه ندى-، وتارةً مايكون مزاجه منخفض فتراه في نوبة اكتئاب حاد.

رحبّت وسألتني عن اسمي وما إذا كنت متدربة أو موظفة جديدة، كانت تتحدث بهدوء واتزان ، دقائق وإذا بها تهيج وتدخل في نوبة من العصبية تمثلت في سب وشتم جميع من في القسم بما فيهم المرضى. فكانت تدخل غرفهم وتصرخ في وجوههم وتوقظ النائم وتهدد بإيذائهم بطرق مختلفة.

انهالت ندى بجميع أنواع الشتائم والكلام البذيء فكانت كغيمة محتقنة جاءها الفرج أخيرًا فأمطرت، كان لي النصيب الأكبر من كل هذا، إذ أنها لم تكتفِ بالكلام فقط فكانت مابين سبٍ وشتم و.. ضربٍ حتى . كانت ماهرة في انتهاز الفرص حيث كانت تعمد لمراقبة أصغر تحركاتي لتأتي في غفلةٍ مني وتفرغ عصبيتها في ضربي إضافةً للسب المتواصل،

كما كانت تحاول جاهدةً فك الحجاب لشد شعري بشتى الطرق. وُضِعت ندى في غرفة العزل إلى حين أن تهدأ حيث كان هذا الخيار الوحيد كون أن العلاج لم يُدخل بعد في السيستم من قبل طبيبها.

تألمتُ وامتعضت من الوضع وكنت أدعو الله أن تمر ساعات هذا اليوم أسرع من كل شيء مضى .
استمرت على هذا الحال طوال اليوم ،كنت أتصبر وأحاول التجاهل قدر المستطاع تجنبًا لزيادة استثارتها من جهة ولأسلم من جهة اخرى.

أخيرًا، أُدخل العلاج المقرر لندى، حبتان وإبرة مهدئة. تناولت ندى العلاج وراحت في سبات عميق. عمّ الهدوء في أرجاء القسم حتى أنه اُشتبه عليّ كما لو اننا انتقلنا إلى قسمٍ آخر.

الثالثة مساءً .. ساعة الخلاص المُنتظرة
سبقتني قدماي نحو المخرج وسبقتهما ندى قبل أن أفعل،
” خلاص رايحة ؟” ندى بنبرة حزينة
“آسفة حبيبتي زينب اسمحي ليي ترى ماكنت في وعيي أبدًا ما ادري وش اسوي ووش اقول ، كنت تعبانة واجد واجد”
” تعالي أبوسش قبل ماتروحي، واخذي هالعطر هدية مني “

راحت ندى تعبر عن استيائها من نفسها وما فعلته،
فاقتها ملامحها فكانت كفيلة بإيصال شعور ندم صادق لامسني وأحسسته..
حينها تذكرت كلام أستاذتي في سنة دراسة مقرر الصحة النفسية:
” قولوا الحمدلله، احنا يصيبنا سترِس ونتغلب عليه، بس هم السترس تغلب عليهم”.

الإمام علي عليه السلام “مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ: مَكْتُومُ الْأَجَلِ، مَكْنُونُ مستور العِلَل والاَمراض لا يعلم من أين تأتيه..”

فتأمّل~

حفاظًا على سرية وخصوصية المريضة؛ اخترت “ندى”
كإسم مستعار لهذه القصة.

عافى الله الجميع
النهاية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *